محمد الأمين الأرمي العلوي

26

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

فقال : وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ؛ أي : واتركوا أيها الناس ظاهر الإثم وعلنه ، وباطن الإثم وسره خوفا من عقاب اللّه تعالى وامتثالا لنهيه . والإثم لغة : ما قبح ، وشرعا : ما حرمه اللّه تعالى ومنعه ، واللّه سبحانه وتعالى لم يحرم على عباده إلا ما كان ضارا بالأفراد ، في أنفسهم أو في أموالهم أو في عقولهم أو في أعراضهم أو في دينهم ، أو ضارا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو الاجتماعية ، والظاهر من الإثم ما كان يظهر ؛ وهو ما تعلق بأفعال الجوارح ، والباطن ما كان لا يظهر ؛ وهو ما تعلق بأعمال القلوب كالكبر والحسد والعجب ، وتدبير المكايد الضارة والشرور للناس ، ومنه الاعتداء في أكل المحرم الذي يباح للمضطر بأن يتجاوز فيه حد الضرورة كما بينه اللّه - سبحانه وتعالى - : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وهذه « 1 » الجملة من جوامع الكلم والأصول العامة في تحريم الآثام ، ومن ثم قال ابن الأنباري : المراد بذلك ترك الإثم من جميع جهاته كما تقول : ما أخذت من هذا المال لا قليلا ولا كثيرا ، تريد ما أخذت منه شيئا بوجه من الوجوه إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ في الدنيا ، أي : يعملون نوعا من أنواع الآثام الظاهرة أو الباطنة سَيُجْزَوْنَ في الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ؛ أي : بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام إن لم يتوبوا ، وأراد اللّه عقابهم ، وهذا مخصوص بما إذا لم يتب كما قيدنا . أما إذا تاب المذنب من ذنبه توبة صحيحة لم يعاقب . وزاد « 2 » أهل السنة في ذلك ، فقالوا : المذنب إذا لم يتب . . فهو في خطر مشيئة اللّه تعالى إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه ، وبالجملة فلا يخفى ما في الآية من الوعيد والتهديد للعصاة ، أي سيلقون جزاء إثمهم وعاقبة كسبهم للذنوب التي أفسدت فطرتهم ودست نفوسهم بإصرارهم عليها ومعاودتها المرة بعد المرة ، أما الذين يعملون السوء بجهالة ، ثم يتوبون من قريب ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . . فهؤلاء يتوب اللّه عليهم ويمحو تأثير الإثم في قلوبهم بما

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) الخازن .